الشيخ محمد هادي معرفة

82

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ولايَغيض الماء ، ولايُقضَى الأمرُ فيهلاكهم ، ولا تستوي السفينة على الجودي ، ولايبعدهم عن الرحمة باستحقاق العقوبة إلّا هُو ، فلا جَرَم أَبهم ذكرَه من أجل ذلك . ثمّ إنّه ختم الكلام على جهة التعريض بقوله : « وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » تنبيها على أنّ ذلك إنّما كان من أجل ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل وإعراضهم عمّا جاؤوا به من الحجج الظاهرة ، والأعلام النيّرة ، وأنّ من كان على مثل حالهم فإنّ الهلاك واقع به لا محالة من غيرهم ممّن بَعدهم ، وفيه وعيدٌ لقريش ومن حذا حذوهم في تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله ( إيَّاك أعني فاسمعي ياجارَة ) وإنّما كرّر قوله : « وَقِيلَ بُعْداً » ولم يكرّره في خطاب السماء فيقول : « وقيل يا أَرض وقيل ياسماء » من جهة أنَّ السماء من جنس الأَرض في مقصود الأمر منهما ، وهو إزالة الماء عنهما ، فاكتُفي بإظهاره في إحداهما وحذفه من الأخرى ، بخلاف قوله : « بُعدا » فإنّه مصدر وجِّه على جهة الدعاء ، ليس مجانسا لما سبق ، فلهذا كرّر القول فيه إعلاما بأنّه من جملة القول ، واهتماما بالدعاء عليهم بالإبعاد عن الرحمة باستحقاق العقوبة السرمدية ، أعاذنا اللّه منها برحمته . فهذه جملة مايتعلّق بالآية من العلوم البيانية ، وتحتها أسرارٌ أوسعُ ممّا ذكرناه . البحث الثاني بالإضافة إلى موقعها من علم المعاني . اعلم أنّ منزلة المعنى من اللفظ هي منزلة الروح من الجسد ، فكلُّ لفظ لا معنى له فهو بمنزلة جسد لاروح فيه . ومفهومُ علم المعاني هو إدراك خواصّ مفردات الكلم بالتقديم والتأخير وفهم مركّباتها ، ونعني بقولنا « إدراكُ خواصّ المفردات في التقديم والتأخير » ما يفهم من قولنا : زيد منطلق ، ومنطلقٌ زيد ، ومن الكرام زيدٌ ، وزيدٌ من الكرام ، وبقولنا « وفهم مركّباتها » هو ما في قولك : زيدٌ قائم ، وإنّ زيدا لقائم . فكلُّ واحد من هذه الصور يفيد معنى غير ما يفيده الآخر من أجل التركيب ، وهكذا القول في جميع التراكيب ، فإنّها دالّة على معانٍ بديعة ، ومرشدة إلى أسرار عجيبة . فإذا عرفت هذا فالنظر في هذه الآية - من جهة علوم المعاني - إمّا أن يكون نظرا في